التثبت في الفتاوى

السؤال: 
تعددت الفتاوى والمُفنون في الصحف والمجلات؛ فهل من كلمة توجيهية للناس؟ وعن عدم الانجراف وراء كل فتوى والتثبت حتى لا يقع في الباطل، نصيحة للمفتين فقد أصبح كل إمام مسجد بدأ يُفتي، فما توجيهكم بارك الله فيكم؟
الإجابة: 
يا أخي: مرتبةُ المُفتي التوقيع عن ربِّ العالمين؛ أنَّ اللهَ أحل هذا أو حرم هذا، أو أوجب هذا أو استحب هذا؛ فالمفتي موقع عن ربَّ العالمين ومُخبرًا بحقيقةِ ذلك بناءً على الكتاب والسُّنة، والمفتي مؤتمنٌ على الفتوى، فإن اتقى الله - جَلَّ وَعَلاَ - وراقب الله وخاف الله، وتأنى بما يفتي فيه، تأنى وتروى واستعان بالله، وسأل الله التوفيق والسداد، وفتش وقرأ حتى تكون فتواه موافقة للحق والصواب، يقول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنْ النَّاسِ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُءُوسًا جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ»، فالحذر أيها المفتي من ذلك؛ الحذر أنَّ تكون الجهة التي تفتي برأيك . قال اللهُ - جَلَّ وَعَلاَ - (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)، فجعل القول بغير علم أعظم الكبائر؛ أعظم حتى من الشرك بالله لأن الشرك مصدره القول على الله بغير علم، وقال اللهُ - جَلَّ وَعَلاَ - ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ)، وقال: ( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ). إن الفتوى التي تنشر في الصحف والمجلات فيها ينبغي أن تكون عدد محدود فلا يكتب فيها إلاَّ يستفتى طالبُ علم، ولا ينشر فيها إلا فتوى طالب علم، أما ينشر بغير تولي أهل علم في الصحف والمجلات التي يتدوالها الناس وربما يعمل بها وهى خلافُ الحق فلا يجوز؛ بل يجب أن يتثب وعلى الصحف أن يتقوا الله؛ وإذا وردتهم مسائل علمية أرجعوها إلى الهيئة العلمية أو الإفتاء ليأخذوا رأيهم في ذلك، أما أن يسندوها إلى من لا علم عنده، ولا معرفة عنده فإنهم بهذا مخطئون . إمام المسجد له فضلٌ كبير واختير لصلاحه وعلمه، لكن إنَّ كان عنده علمٌ زائدٌ عن علمه بالصلاة وأحكامها أفتى، وإن كان ناقص علمٍ فليس من صفات الإمامة بمسوغٌ له أن يفتى بالحلال والحرام، ولقد كان سلفنا الصالح يتورعون في هذا الجانب، ويحب أخوانه أن يفتي في هذه النازلة، تعظيمًا لفتواه وليس بخلًا في العلم؛ ولكن ليُعظمه في مسامع الناس، ليعلموا أن الفتوى لها شأنٌ عظيم . كان الإمام مالك سُئل في بعض المسائل الفقهية وقال: "الله أعلم"، قال له السائل : إنك مالك؟ قال له مالك: "أخرج للناس وقل لهم: أنَّ مالك يقول لا يعلم"، وهذا لحرصه على الخير وحماية العلم الشرعي. فيا أيها الأخوان: إياكم والفتوى، إن كنتم لا تعلمون إسألوا واستفسروا وأوكلوا الأمر إلى عالمٍ، قال اللهُ - جَلَّ وَعَلاَ - (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) .