أصل التوحيد

السؤال: 
تتحدثون عن أصل التوحيد وروحه، وهي محبة الله وحده، وهي أصل التَّألُّه، والتَّعبُّد لله-عزَّ وجل- بل هي حقيقة العبادة، ولا يتمُّ التوحيد إلا بكمال المحبَّة لله -عزَّ وجل- فما هو توجيهكم في ذلك؟
الإجابة: 
الجواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكَ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وصَحْابتِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ، وبعد. التوحيد أساس الملة والدين، لأجله خلق الخلقَ جميعها، لأجله خلق الله الجن والإنس، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، ولأجله أُرسلت الرسل، قال -جلَّ وعلا-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وهذه دعوة جميع الأنبياء كلهم، فإن الله -جلَّ وعلا- أرسل الرسل لهذا التوحيد والدعوة إليه، والتحذير من الشرك به، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) الآية. وهذا التوحيد هو: إخلاص العبادة لله، بأن يكون الدعاء كلُّه لله، والذَّبحُ لله، والنذرُ لله، والاستغاثة بالله، والاستعاذة بالله، والرغبة بما عند الله، والرهبة والخوف من رب العالمين، والرجاء بربِّ العالمين، وأن تتعلق بالله بقلبك حبًا وخوفًا، ورجاءً، وتعدُّهُ لشدائدك ومكارهك، كل ما نزل بك ضرورة علمتَ أنه لا كاشف إلا الله-جلَّ وعلا-، فتدعوه وتستعين به، فإن الله -جلَّ وعلا- أمرنا أن ندعوه، فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، إذًا فالدعاء عبادة، فإذا دعونا غير الله من أوليائه الصالحين، أو أرباب الطرق كنا قد خالفنا أمر الله، ودعونا غير الله، وصرفنا خالص حقِّ الله لمخلوقٍ مثلنا، هذا أمرٌ لا يجوز، بل هو منافٍ لأصل أساس الملة والدين، ولهذا جعل الله الشرك به أظلم الظلم، قال عن لقمان أنه قال: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، وأيُّ ظلمٍ أعظم من ظلم المُشرك الذي وضع العبادة في غير موضعها، كان المطلوب منه أن يضعها في موضعه، وهي لله -جلَّ وعلا-، ويدعو الله وحده، ويرجو الله وحده، ويتعلَّق قلبه بربه، ويعلم أن الله النافع الضار، المُحيِ المُميت، الخالق الرازق، المُدبِّر للكون كله، إذًا لا يجوز الالتفات لغيره، لا أولياء، ولا أنبياء، ولا صالحين، ولا مشايخ طرق، ولا غيرهم، لا نلجأ لأحد، وإنما ملجؤنا وضروراتنا نجعلها لله -جلَّ وعلا-: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ)، وهذا التوحيد الخالص هو الذي يجمع القلوب على طاعة الله، فإن الله يقول: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)، لم يكونوا إخوة إلَّا بنعمة الله، بالإسلام، وحَّد القلوب، وجمع الكلمة، وأزال العداوة والبغضاء، ثم هذا التوحيد يقتضي منك أن تحبَّ الله، وتُعظِّم الله، وتثني عليه بما هو أهله، فالمحبة في الله، والمحبة لله، هي أوثق عُرى الإيمان، كما في الحديث: «مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ» فمن فعل ذلك فقد استكمل الإيمان كله، وفي الحديث الآخر: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». أيها المسلم: فلابد أن تحبَّ في الله، تحبَّ أولياء الله، المطيعين لله، العابدين لله، تُبغض الشرك بالله، والمشركين بغير الله، وتعتقد ضلالهم وكفرهم، وأن ما هم عليه ضلال وكفر وطغيان، وتعبد الله وحده، وتحبَّ الله وحده، ولا تحبُّ معه سواه المحبة الجائرة، قال -جلَّ وعلا-: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ )، فمن أحب غير الله محبة الله، فقد أشرك بالله غيره، لأن الرجل الصالح تحبهُ في لله، لا تجعل محبته مع الله، المحبة الخالصة هي لله-جلَّ وعلا-، وأنت تحبُّ أولياء الله لمحبتك لله، ولقيامهم بحق الله، تحبهم لمحبتهم لله، وتبغضهم لبغض الله لهم، هذا الواجب علينا، أما أن نجعل غير الله، كمثل الله في الحبِّ والود فلا، فإن الله -جلَّ وعلا- قال: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ)، ودلَّ على أن المسلم يحبُّ غير الله لأجل الله، ولا يساوي مع الله في المحبة والموالاة.